رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
135
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
المجسّمة والمشبّهة الذين تظافرت الأخبار بكفرهم ، وليس غرضي في الاضطرار بنفي التجسيم عنه إلّاالشفقة على ضعفاء الناظرين في هذا الحديث ، فإنّهم عسى أن يقعوا في القول بأنّ غاية ما يتخوّف على المرء بسبب العقائد الفاسدة قلّة الأجر ، لا عدم النجاة ، إذا اهتمّ بالعبادة والأوراد ، واكتفى من الدنيا بأكل الجشب من الطعام ، ولبس الخشن من اللباس كصوفيّة أهل السنّة ، بل الخوارج إذا لم يكن غرضهم المُراءاة والتراؤس ؛ إذ ليس لهم بأس على هذا التقدير إلّافساد عقيدتهم في الخلافة الناشئ من قلّة البحث والتفتيش ، وليس هذا الفساد بأعظم من فساد التجسيم . أقول : ويمكن أن يقع بعضهم في القول بأجر أهل الرياضة من النصارى واليهود ، بل أهل الرياضة من الهنود ؛ فإنّه إذا رأى العابد في بادئ النظر مجسّماً وقد اجر ، فلا يستبعد أن يؤجر أولئك أيضاً ، وقد عرفت أنّ الأجر بالأعمال ملزوم النجاة ، ولأجل هذه المفاسد شمّرتُ ذيل العناية لنفي كون العابد من المجسّمة ، وإثبات أنّ ضعف عقله ضعفٌ لا يُسلم منه إلّابطول الرياضات العلميّة ، وهذا الحديث موضع عبرة للعامّي من صوفيّتنا الذي آثر الخلوة على مجالسة العلماء الربّانيّين ، والصمتَ والجوع والسهر ودوام الذكر على تتبّع أحاديث الأئمّة الهادين عليهم السلام المشتملة على الحقائق والمعارف ، بزعم أنّ تلك الخصال أقرب المسالك وأبعد عن المهالك للوصول إلى درجة اليقين والعرفان ، وفي أشعارهم : صمت وجوع وسهر وعزلت وذكر بدوام * ناتمامان جهان را بكند كار تمام ولعمري أنّهم أخطأوا في ذلك بعضَ الخطأ ؛ فإنّ تلك الخصال إنّما ترتقي بالمرء إلى ذروة الكمال إذا كان في حصن تربية استادٍ كاملٍ نظَر في أحاديث المعصومين عليهم السلام الذين هم قادة السالكين ، وسادة العارفين ، وعقل تلك الأحاديث عقلَ رعايةٍ لا عقلَ رواية ؛ فإنّ رواة الحديث كثير ورعاته قليل ، وعَرَفَ أحكام الشريعة المقدّسة : أصولها ، وفروعها ، ثمّ عمل بما علم ، فعلّمه اللَّه بذلك علم ما لم يعلم ، وأطلعه على غوامض الأسرار والحِكم التي ارتفعت عن أن يبلغها عقول العلماء